منتديات شعراء وفنانين العراق
كل الهلا بيكم نورتو المنتدى يجب الاسراع في التسجيل لكي تنضم الى الاقسام بأداره تايتنك الملك 07713093211


احلى روم واحلى لمة شعراء وفنانين العراق
 
الرئيسيةبوابه المنتدىاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
رابط التحميل (الاسرع) لايت سي : http://c.lightc.net/setup1534.exe
انسخ الرابط وافتح منتديات حكم القدر http://tatnek00.mam9.com/ منتديات حكم القدر http://tatnek00.mam9.com/ منتديات حكم القدر http://tatnek00.mam9.com/ منتديات حكم القدر http://tatnek00.mam9.com/ منتديات حكم القدر http://tatnek00.mam9.com/ منتديات حكم القدر http://tatnek00.mam9.com/ منتديات حكم القدر http://tatnek00.mam9.com/ منتديات حكم القدر http://tatnek00.mam9.com/ منتديات حكم القدر http://tatnek00.mam9.com/ منتديات حكم القدر http://tatnek00.mam9.com/ منتديات حكم القدر

شاطر | 
 

 تاريخ ابن خلدون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مخلد الانيق
مسؤال على المشرفين
مسؤال على المشرفين


عدد المساهمات : 51
نقاط المساهمات : 6261
السٌّمعَة : -1
تاريخ التسجيل : 17/05/2012
العمر : 36
الموقع : بغداد - الشعب

مُساهمةموضوع: تاريخ ابن خلدون   الجمعة مايو 18, 2012 4:30 pm

الباب الأول

من الكتاب الأول

في العمران البشري علي الجملة وفيه مقدمات

الأولى: في أن الاجتماع الإنساني ضروري. ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم: "الإنسان مدني بالطبع "، أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدنية في اصطلاحهم وهو معنى العمران. وبيانه أن الله سبحانه خلق الإنسان وركبه على صورة لا يصح حياتها وبقاؤها إلا بالغذاء، وهداه إلى التماسه بفطرته، وبما ركب فيه من القدرة على تحصيله. إلا أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء، غير موفية له بمادة حياته منه. ولو فرضنا منه اقل ما يمكن فرضه وهو قوت يوم من الحنطة مثلا، فلا يحصل إلا بعلاج كثير من الطحن والعجن والطبخ. وكل واحد من هذه الأعمال الثلاثة يحتاج إلى مواعين وآلات لا تتم إلا بصناعات متعددة من حداد ونجار وفاخوري. هب أنه يأكله حبا من غير علاج، فهو أيضا يحتاج في تحصيله حبا إلى أعمال أخرى أكثر من هذه، من الزراعة والحصاد والدراس الذي يخرج الحب من غلاف السنبل. ويحتاج كل واحد من هذه إلى آلات متعددة وصنائع كثيرة أكثر من الأولى بكثير. ويستحيل أن توفي بذلك كله أو ببعضه قدرة الواحد. فلا بد من اجتماع القدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل القوت له ولهم، فيحصل بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم بأضعاف. وكذلك يحتاج كل واحد منهم أيضا في الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه. لأن الله سبحانه لما ركب الطباع في الحيوانات كلها، وقسم القدر بينها جعل



حظوظ كثير من الحيوانات العجم من القدرة أكمل من حظ الإنسان، فقدرة الفرس مثلا أعظم بكثير من قدرة الإنسان وكذا قدرة الحمار والثور وقدرة الأسد والفيل أضعاف من قدرته. ولما كان العدوان طبيعيا في الحيوان جعل لكل واحد منها عضوا يختص بمدافعته ما يصل إليه من عادية غيره. وجعل للإنسان عوضا من ذلك كله الفكر واليد. فاليد مهيأة للصنائع بخدمة الفكر والصنائع تحصل له الآلات التي تنوب له عن الجوارح المعدة في سائر الحيوانات للدفاع: مثل الرماح التي تنوب عن القرون الناطحة والسيوف النائبة عن المخالب الجارحة، والتراس النائبة عن البشرات الجاسية إلى غير ذلك مما ذكره جالينوس في كتاب منافع الأعضاء. فالواحد من البشر لا تقاوم قدرته قدرة واحد من الحيوانات العجم سيما المفترسة فهو عاجز عن مدافعتها وحده بالجملة ولا تفي قدرته أيضا باستعمال الآلات المعدة للمدافعة لكثرتها وكثرة الصنائع والمواعين المعدة لها فلا بد في ذلك كله من التعاون عليه بأبناء جنسه. وما لم يكن هذا التعاون فلا يحصل له قوت ولا غذاء، ولا تتم حياته لما ركبه الله تعالى عليه من الحاجة إلى الغذاء في حياته ولا يحصل له أيضا دفاع عن نفسه لفقدان السلاح فيكون فريسة للحيوانات، ويعاجله الهلاك عن مدى حياته، ويبطل نوع البشر. وإذا كان التعاون حصل له القوت للغذاء والسلاح للمدافعة، وتمت حكمة الله في بقائه وحفظ نوعه. فإذن هذا الاجتماع ضروري للنوع الإنساني وإلا لم يكمل وجودهم وما أراده الله من اعتمار العالم بهم واستخلافه إياهم وهذا هو معنى العمران الذي جعلناه موضوعا لهذا العلم.وفي هذا الكلام نوع إثبات للموضوع في فنه الذي هو موضوع له. وهذا وإن لم يكن واجبا على صاحب الفن، لما تقرر في الصناعة المنطقية انه ليس على صاحب علم إثبات الموضوع في ذلك العلم فليس أيضا من الممنوعات عندهم فيكون إثباته من التبرعات، والله الموفق بفضله.ثم أن هذا الاجتماع إذا حصل للبشر كما قررناه وتم عمران العالم بهم، فلا بد من وازع يدفع



بعضهم عن بعض لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم. وليست آلة السلاح التي جعلت دافعة لعدوان الحيوانات العجم عنهم كافية في دفع العدوان عنهم لأنها موجودة لجميعهم. فلا بد من شيء آخر يدفع عدوان بعضهم عن بعض. ولا يكون من غيرهم لقصور جميع الحيوانات عن مداركهم وإلهاماتهم. فيكون ذلك الوازع واحدا منهم يكون له عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة، حتى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان وهذا هو معنى الملك. وقد تبين لك بهذا أنه خاصة للإنسان طبيعية ولا بد لهم منها. وقد يوجد في بعض الحيوانات العجم على ما ذكره الحكماء كما في النحل والجراد لما استقرئ فيها من الحكم والانقياد والاتباع لرئيس من أشخاصها متميز عنهم في خلقه وجثمانه إلا أن ذلك موجود لغير الإنسان بمقتضى الفطرة والهداية لا بمقتضى الفكرة والسياسة: "أعطى كل شيء خلقه ثم هدى".وتزيد الفلاسفة على هذا البرهان حيث يحاولون إثبات النبوة بالدليل العقلي، وأنها خاصة طبيعية للإنسان، فيقررون هذا البرهان إلى غايته وأنه لا بد للبشر من الحكم الوازع، ثم يقولون بعد ذلك. وذلك الحكم يكون بشرع مفروض من عند الله يأتي به واحد من البشر وأنه لا بد أن يكون متميزا عنهم بما يودع الله فيه من خواص هدايته ليقع التسليم له والقبول منه، حتى يتم الحكم فيهم وعليهم من غير إنكار ولا تزييف. وهذه القضية للحكماء غير برهانية بما كما تراه إذ الوجود وحياة البشر قد تتم من دون ذلك بما يفرضه الحاكم لنفسه، أو بالعصبية التي يقتدر بها على قهرهم وحملهم على جادته. فأهل الكتاب والمتبعون للأنبياء قليلون بالنسبة إلى المجوس الذين ليس لفم كتاب فإنهم أكثر أهل العالم ومع ذلك فقد كانت لهم الدول والآثار فضلا عن الحياة وكذلك هي لهم لهذا العهد في الأقاليم المنحرفة في الشمال والجنوب. بخلاف حياة البشر فوضى دون وازع لهم البتة فإنه يمتنع. وبهذا يتبين لك غلطهم في وجوب النبوات وأنه ليس بعقلي وإنما مدركه الشرع كما هو مذهب السلف من الأمة. والله ولي التوفيق والهداية.





المقدمة الثانية

في قسط العمران من الأرض والإشارة إلى بعض ما فيه من البحار والأنهار والأقاليم

إعلم أنه قد تبين في كتب الحكماء الناظرين في أحوال العالم أن شكل الأرض كروي وأنها محفوفة بعنصر الماء كأنها عنبة طافية عليه. فانحسر الماء عن بعض جوانبها، لما أراد الله من تكوين الحيوانات فيها وعمرانها بالنوع البشري الذي له الخلافة على سائرها. وقد يتوهم من ذلك أن الماء تحت الأرض ؛ وليس بصحيح؛ وإنما النحت الطبيعي قلب الأرض، ووسط كرتها الذي هو مركزها، والكل يطلبه بما فيه من الثقل؛ وما عدا ذلك من جوانبها . وأما الماء المحيط بها فهو فوق الأرض. وإن قيل في شئ منها أنه تحت الارض فبالإضافة إلى جهة أخرى منه. وأما الذي انحسر عنه الماء من الأرض فهو النصف من سطح كرتها في شكل دائرة أحاط العنصر المائي بها من جميع جهاتها بحرا يسمي البحر المحيط، ويسمى أيضا لبلاية بتفخيم اللام الثانية، ويسمى أوقيانوس ، أسماء أعجمية، ويقال له البحر الأخضر والأسود. ثم أن هذا المنكشف من الأرض للعمران فيه القفار والخلاء أكثر من عمرانه والخالي من جهة الجنوب منه أكثر من جهة الشمال، وإنما المعمور منه قطعة أميل إلى الجانب الشمالي على شكل مسطح كروي ينتهي من جهة الجنوب إلى



خط الاستواء، ومن جهة الشمال إلي خط كروي ووراءه الجبال الفاصلة بينه وبين الماء العنصري الذي بينما سد يأجوج ومأجوج. وهذه الجبال مائلة إلى جهة المشرق. وينتهي من المشرق والمغرب إلى عنصر الماء أيضا بقطعتين من الدائرة المحيطة. وهذا المنكشف من الأرض قالوا هو مقدار النصف من الكرة أو أقل والمعمور منه مقدار ربعه وهو المنقسم بالأقاليم السبعة.وخط الاستواء يقسم الأرض بنصفين من المغرب إلى المشرق، وهو طول الأرض وأكبر خط في كرتها كما أن منطقة فلك البروج ودائرة معدل النهار أكبر خط في الفلك ومنطقة البروج منقسمة بثلثمائة وستين درجة، والدرجة من مسافة الارض خمسة وعشرون فرسخا، والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع في ثلاثة أميال، لأن الميل أربعة إلا ذراع، والذراع أربعة وعشرون إصبعاً، والإصبع لمست حبات شعير مصفوفة ملصق بعضها إلى بعض ظهراً لبطن. وبين دائرة معدل النهار التي تقسم الفلك بنصفين وتسامت خط الاستواء من الارض، وبين كل واحد من القطبين تسعون درجة. لكن العمارة في الجهة الشمالية من خط الاستواء اربع وستون درجة والباقي منها خلاء عمارة فيه لشدة البرد والجمود، كما كانت الجهة الجنوبية خلاء كلها لشدة الحر كما نبين ذلك كله أن شاء الله تعالى.ثم أن المخبرين عن هذا المعمور وحدوده وما فيه من الأمصار والمدن والجبال والبحار والأنهار والقفار والرمال مثل: بطليموس في كتاب الجغرافيا، وصاحب كتاب "روجار" من بعده، قسموا هذا المعمور بسبعة اقسام يسمونها الأقاليم السبعة بحد وهمية بين المشرق والمغرب متساوية في العرض مختلفة في الطول فالإقليم الأول أطول مما بعده وكذا الثاني إلى آخرها فيكون السابع اقصر لما اقتضاه وضع



الدائرة الناشئة من انحسار الماء عن كرة الارض. وكل واحد من هذه الاقاليم عندهم منقسم بعشرة اجزاء من المغرب إلى المشرق على التوالي. وفي كل جزء الخبر عن أحواله وأحوال عمرانه.

البحار:

وذكروا أن هذا البحر المحيط يخرج منه من جهة المغرب في الإقليم الرابع البحر الرومي المعروف. ويبدأ في خليج متضايق في عرض اثني عشرميلا أو نحوها ما بين طنجة وطريف وبسمى الزقاق ثم يذهب مشرقا وينفسح إلى عرض ستمائة ميل. ونهايتها في آخر الجزء الرابع من الإقليم الرابع على ألف فرسخ ومائة وستين فرسخا من مبدئه وعليه هنالك سواحل الشام. وعليه من جهة الجنوب سواحل المغرب، أولها طنجة عند الخليج، ثم إفريقية، ثم برقة إلى الإسكندرية. ومن جهة الشمال سواحل القسطنطينية عند الخليج، ثم البنادقة، ثم رومة، ثم الإفرنجة ثم الأندلس إلى طريف عند الزقاق قبالة طنجة. ويسمى هذا البحر الرومي والشامي وفيه جزر كثيرة عامرة كبار مثل اقريطش وقبرص وصقلية وميورقة وسردانية ودانية.قالوا: ويخرج منه في جهة الشمال بحران آخران من خليجين. احدهما مسامت للقسطنطينية، يبدأ من هذا البحر متضايقا في عرض رمية السهم، ويمر ثلاثة بحار: فيتصل بالقسطنطينية ثم ينفسح في عرض أربعة أميال، ويمر في جريه ستين ميلا، ويسمى خليج القسطنطينية ثم يخرج من فوهة عرضها ستة أميال، فيمد بحر نيطش وهو بحر ينحرف من هنالك في مذهبه إلى ناحية الشرق فيمر بأرض هريقلية، وينتهي إلى بلاد الخزرية على ألف وثلاثمائة ميل من فوهته، وعليه من الجانبين أمم من الروم والترك وبرجان والروس. والبحر الثاني من خليجي هذا البحر الرومي وهو بحر البنادقة يخرج من بلاد الروم على سمت الشمال، فإذا انتهى إلى سمت الجبل انحرف في سمت المغرب إلى بلاد البنادقة، وينتهي إلي بلاد إنكلاية على ألف ومائة ميل من مبدإه. وعلى حافتيه من



البنادقة والروم وغيرهم أمم، ويسمى خليج البنادقة.قالوا: وينساح من هذا البحر المحيط أيضا من الشرق وعلى ثلاث عشرة درجة في الشمال من خط الاستواء بحر عظيم متسع يمر إلى الجنوب قليلا حتى ينتهي إلى الإقليم الأول، ثم يمر فيه مغربا إلى أن ينتهي في الجزء الخامس منه إلى بلاد الحبشة والزنج، وإلى بلاد باب المندب منه على أربعة آلاف فرسخ وخمسمائة فرسخ من مبدئه ويسمى البحر الصيني والهندي والحبشي. وعليه من جهة الجنوب بلاد الزنج وبلاد بربر التي ذكرها امرؤ القيس في شعره، وليسوا من البربر الذين هم قبائل المغرب، ثم بلد مقدشو، ثم بلد سفالة، وأرض الواق واق، وأمم آخر ليس بعدهم إلا القفار والخلاء. وعليه من جهة الشمال الصين من عند مبدئه ثم الهند ثم السند؛ ثم سواحل اليمن من الاحقاف وزبيد وغيرها، ثم بلاد الزنج عند نهايته وبعدهم الحبشة. قالوا: ويخرج من هذا البحر الحبشي بحران آخران احدهما يخرج من نهايته عند باب المندب فيبدأ متضايقا، ثم يمر مستبحرا إلى ناحية الشمال ومغربا قليلا إلى أن ينتهي إلى مدينة القلزم في الجزء الخامس من الإقليم الثاني على ألف وأربعمائة ميل من مبدئه، ويسمى بحر القلزم وبحر السويس وبينه وبين فسطاط مصر من هنالك ثلاث مراحل. وعليه من جهة الشرق سواحل اليمن ثم الحجاز وجدة، ثم مدين وأيلة وفاران عند نهايته ومن جهة الغرب سواحل الصعيد وعيذاب وسواكن وزيلع، ثم بلاد الحبشة عند مبدئه، وآخره عند القلزم يسامت البحر الرومي عند العريش وبينهما نحو ست مراحل. وما زال الملوك في الإسلام وقبله يرومون خرق ما بينهما ولم يتم ذلك. والبحر الثاني من هذا البحر الحبشي، ويسمى الخليج الأخضر، يخرج



ما بين بلاد السند والأحقاف من اليمن ويمر إلى ناحية الشمال مغربا قليلا إلى أن ينتهي إلى الأبلة من سواحل البصرة في الجزء السادس من الإقليم الثاني على أربعمائة فرسخ وأربعين فرسخاً من مبدئه ويسمى بحر فارس. وعليه من جهة الشرق سواحل السند ومكران وكرمان وفارس، والأبلة عند نهايته ومن جهة الغرب سواحل البحرين واليمامة وعمان والشحر، والأحقاف عند مبدئه. وفيما بين بحر فارس والقلزم جزيرة العرب كأنها داخل من البر في البحر يحيط بها البحر الحبشي من الجنوب وبحر القلزم من الغرب، وبحر فارس من الشرق وتفضي إلى العراق فيما بين الشام والبصرة على ألف وخمسمائة ميل بينهما. وهنالك الكوفة والقادسية وبغداد وإيوان كسرى والحيرة. ووراء ذلك أمم الأعاجم من الترك والخزر وغيرهم. وفي جزيرة العرب بلاد الحجاز في جهة الغرب منها، وبلاد اليمامة والبحرين وعمان جهة الشرق منها، وبلاد اليمن في جهة الجنوب منها، وسواحله على البحر الحبشي.قالوا: وفي هذا المعمور بحر آخر منقطع من سائر البحار في ناحية الشمال بأرض الديلم يسمى بحر جرجان وطبرستان، طوله ألف ميل في عرض ستمائة ميل في غربيه أذربيجان والديلم، وفي شرقيه أرض الترك وخوارزم، وفي جنوبية طبرستان، وفي شمالية أرض الخزر واللان.هذه جملة البحار المشهورة التي ذكرها أهل الجغرافيا.

الأنهار:

قالوا: وفي هذا الجزء المعمور أنهار كثيرة أعظمها أربعة أنهار وهي النيل والفرات ودجلة ونهر بلخ المسمى جيحون. فأما النيل فمبدأهُ من جبل عظيم وراء خط الاستواء بست عشرة درجة على سمت الجزء الرابع من الإقليم الأول ويسمى "جبل القمر" ولا يعلم فى الأرض جبل أعلى منه تخرج منه عيون كثيرة فيصب بعضها فى بحيرة هناك وبعضها فى أخرى ثم تخرج أنهار من البحيرتين فتصب كلها فى بحيرة واحدة عند خط الاستواء على عشر

المجلد الأول - من تاريخ العلامة ابن خلدون

من صفحة 62 حتى 250

مراحل من الجبل ، ويخرج من هذه البحيرة نهران يذهب أحدهما إلى ناحية الشمال على سمته ويمر ببلاد النوبة ثم بلاد مصر فإذا جاوزها تشعب في شعب متقاربة يسمى كل واحد منها خليجاً وتصب كلها في البحر الرومي عند الإسكندرية ويسمى " نيل مصر " وعليه الصعيد من شرقية والواحات من غربيه ويذهب الآخر منعطفا إلى المغرب ثم يمر على سمته إلى أن يصب في البحر المحيط وهو " نهر السودان " ، وأممهم كلهم على ضفتيه .وأما الفرات فمبدؤه من بلاد أرمينية في الجزء السادس من الإقليم الخامس ويمر جنوباً في أرض الروم وملطية إلى منبج ثم يمر بصفين ثم بالرقة ثم بالكوفة إلى أن ينتهى إلى البطحاء التي بين البصرة وواسط ومن هناك يصب في البحر الحبشى تنجلب إليه في طريقه أنهار كثيرة ويخرج منه أنهار أخرى تصب في دجلة .وأما دجلة فمبدؤها عين ببلاد خلاط من أرمينية أيضاً وتمر على سمت الجنوب بالموصل وأذربيجان وبغداد إلى واسط فتتفرق إلى خلجان كلها تصب في بحيرة البصرة وتفض إلى بحر فارس وهو في الشرق على يمين الفرات وينجلب إليه أنهار كثيرة عظيمة من كل جانب ، وفيما بين الفرات ودجلة من أوله جزيرة الموصل قبالة الشام من عدوتى الفرات وقبالة أذربيجان من عدوة دجلة وأما نهر جيحون فمبدؤه من بلخ في الجزء الثامن من الإقليم الثالث من عيون هناك كثيرة وتجلب إليه أنهار عظام ويذهب من الجنوب إلى الشمال فيمر ببلاد خراسان ثم يخرج منها إلى بلاد خوارزم في الجزء الثامن من الإقليم الخامس فيصب في بحيرة الجر جانية التي بأسفل مدينتها وهى مسيرة شهر في مثله وإليها ينصب نهر فرغانة والشاش الآتى من بلاد الترك وعلى غربى نهر جيحون بلاد خراسان وخوارزم وعلى شرقيه بلاد بخارى وترمذ و سمرقند ، ومن هنالك إلى ما وراءه بلاد الترك وفرغانة والخزلجية وأمم الأعاجم .وقد ذكر ذلك كله بطليموس في كتابه والشريف في كتاب رجار وصوروا في الجغرافيا جميع ما في المعمور من الجبال والبحار والأودية واستوفوا من ذلك



ما لا حاجة لنا به ؛ لطوله ؛ ولأن عنايتنا في الأكثر إنما هى بالمغرب ، الذي هو وطن البربر، وبالأوطان التي للعرب من المشرق ، والله الموفق .

تكملة لهذه المقدمة الثانية

في أن الربع الشمالى من الأرض أكثر عمراناً

من الربع الجنوبي وذكر السبب في ذلك

ونحن نرى بالمشاهدة والأخبار المتواترة أن الأول والثانى من الأقاليم المعمورة أقل عمراناً مما بعدهما وما وجد من عمرانه فيتخلله الخلاء والقفار والرمال والبحر الهندي الذي في الشرق منهما ، وأمم هذين الإقليمين وأناسيهما ليست لهم الكثرة البالغة وأمصاره ومدنه كذلك ، والثالث والرابع وما بعدهما بخلاف ذلك فالقفار فيها قليلة والرمال كذلك أبى معدومة وأممها وأناسيها تجوز الحد من الكثرة وأمصارها ومدنها تجاوز الحد عدداً والعمران فيها مندرج ما بين الثالث والسادس والجنوب خلاء كله وقد ذكر كثير من الحكماء أن ذلك لإفراط الحر وقلة ميل الشمس فيها عن سمت الرؤوس فلنوضح ذلك ببرهانه ويتبين منه سبب كثرة العمارة فيما بين الثالث والرابع من جانب الشمال إلى الخامس والسابع ، فنقول : إن قطبى الفلك الجنوبى والشمالى إذا كانا على الأفق فهنالك دائرة عظيمة تقسم الفلك بنصفين هى أعظم الدوائر المارة من المشرق إلى المغرب وتسمى " دائرة معدل النهار " وقد تبين في موضعه من الهيئة أن الفلك الأعلى متحرك من المشرق إلى المغرب حركة يومية يحرك بها سائر الأفلاك التي في جوفه قهراً وهذه الحركة محسوسة ، وكذلك تبين أن للكواكب في أفلاكها حركة مخالفة لهذه الحركة وهي من المغرب إلى المشرق وتختلف آمادها باختلاف حركة الكواكب



السرعة والبطء وممرات هذه الكواكب في أفلاكها توازيها كلها دائرة عظيمة من الفلك الأعلى تقسمه بنصفين وهى " دائرة فلك البروج" منقسمة باثنى عشر برجاً وهى على ما تبين في موضعه مقاطعة لدائرة معدل النهار على نقطتين متقابلتين من البروج هما : أول الحمل وأول الميزان فتقسمهما دائرة معدل النهار بنصفين نصف مائل عن معدل النهار إلى الشمال وهو من أول الحمل إلى آخر السنبلة، ونصف مائل عنه إلى الجنوب وهو : من أول الميزان إلى آخر الحوت ، وإذا وقع القطبان على الأفق في جميع نواحى الأرض كان على سطح الأرض خط واحد يسامت دائرة معدل النهار يمر من المغرب إلى المشرق ويسمى " خط الاستواء" ووقع هذا الخط بالرصد على ما زعموا في مبدأ الإقليم الأول من الأقاليم السبعة والعمران كله قى الجهة الشمالية عنه والقطب الشمالى يرتفع عن آفاق هذا المعمور بالتدريج إلى أن ينتهى ارتفاعه إلى أربع وستين درجة وهنالك ينقطع العمران وهو آخر الإقليم السابع .وإذا ارتفع على الأفق تسعين درجة وهى التي بين القطب ودائرة معدل النهار صار القطب على سمت الرءوس وصارت دائرة معدل النهار على الأفق وبقيت ستة من البروج فوق الأفق وهى الشمالية وستة تحت الأفق وهى الجنوبية والعمارة فيما بين الأربعة والستين إلى التسعين ممتنعة ، لأن الحر والبرد حينئذ لا يحصلان ممتزجين لبعد الزمان بينهما فلا يحصل التكوين فإذا الشمس تسامت الرءوس على خط الاستواء في رأس الحمل والميزان ثم تميل عن المسامتة إلى رأس السرطان ورأس الجدى وبكون نهاية ميلها عن دائرة معدل النهار أربعا وعشرين درجة ثم إذا ارتفع القطب الشمالى عن الأفق مالت دائرة معدل النهار عن سمت الرؤوس بمقدار ارتفاعه وانخفض القطب الجنوبى كله بمقدار متساو في الثلاثة وهو المسمى عند أهل المواقيت " عرض البلد"، وإذا مالت دائرة معدل النهار عن سمت الرءوس علت عليها البروج الشمالية مندرجة في مقدار علوها إلى رأس السرطان وانخفضت البروج الجنوبية من الأفق كذلك إلى رأس الجدى لانحرافها إلى الجانبين في أفق الاستواء كما قلناه فلا يزال الأفق الشمالى يرتفع حتى يصير



أبعد الشمالية وهو رأس السرطان في سمت الرءوس وذلك حيث يكون عرض . البلد أربعاً وعشرين في الحجاز وما يليه ، وهذا هو الميل الذي إذا مال رأس السرطان عن معدل النهار في أفق الاستواء ارتفع بارتفاع القطب الشمالى حتى صار مسامتاً فإذا ارتفع القطب أكثرمن أربع وعشرين نزلت الشمس عن المسامتة ولا تزال في انخفاض إلى أن يكون ارتفاع القطب أربعاً وستين ويكون انخفاض الشمس عن المسامتة كذلك وانخفاض القطب الجنوبى عن الأفق مثلها فينقطع التكوين لإفراط البرد والجمد وطول زمانه غير ممتزج بالحر .ثم إن الشمس عند المسامتة وما يقاربها تبعث الأشعة على الأرض على زوايا قائمة وفيما دون المسامتة على زوايا منفرجة وحادة ، وإذا كانت زوايا الأشعة قائمة عظم الضوء وانتشر بخلافه في المنفرجة والحادة فلهذا يكون الحر عند المسامتة وما يقرب منها كثر منه فيما بعد ؛ لأن الضوء سبب الحر والتسخين .

ثم إن المسامتة في خط الاستواء تكون مرتين في السنة عند نقطتى الحمل والميزان وإذا مالت فغير بعيد ولا يكاد الحر يعتدل في آخر ميلها عند رأس السرطان والجدي إلا إن صعدت إلى المسامتة فتبقى الأشعة القائمة الزوايا تلح على ذلك الأفق ويطول مكثها أو يدوم فيشتعل الهواء حرارة ويفرط في شدتها وكذا ما دامت الشمس تسامت مرتين فيما بعد خط الاستواء إلى عرض أربعة وعشرين فان الأشعة ملحة على الأفق في ذلك بقريب من إلحاحها في خط الاستواء وإفراط الحر يفعل في الهواء تجفيفاً ويبساً يمنع من التكوين ؛ لأنه إذا أفرط الحر جفت المياه والرطوبات وفسد التكوين في المعدن والحيوان والنبات ؛ إذ التكوين لا يكون إلا بالرطوبة ، ثم إذا مال رأس السرطان عن سمت الرءوس في عرض خمسة وعشرين فما بعده نزلت الشمس عن المسامتة فيصير الحر إلى الاعتدال أو يميل عنه ميلاً قليلاً فيكون التكوين ويتزايد على التدريج إلى أن يفرط البرد في شدته لقلة الضوء وكون الأشعة منفرجة الزوايا فينقص التكوين ويفسد إلا أن



فساد التكوين من جهة شدة الحر أعظم منه من جهة شدة البرد ؛ لأن الحر أسرع تأثيراً في التجفيف من تأثير البرد في الجمد ؛ فلذلك كان العمران في الإقليم الأول والثانى قليلاً وفى الثالث والرابع والخامس متوسطا لاعتدال الحر بنقصان الضوء وفى السادس والسابع كثير النقصان الحر ، وأن كيفية البرد لا تؤثر عند أولها في فساد التكوين كما يفعل الحر ؛ إذ لا تجفيف فيها إلا عند الإفراط بما يعرض لها حينئذ من اليبس كما بعد السابع فلهذا كان العمران في الربع الشمالي أكثر وأوفر والله أعلم.ومن هنا أخذ الحكماء خلاء خط الاستواء وما وراءه وأورد عليهم أنه معمور بالمشاهدة والأخبار المتواترة فكيف يتم البرهان على ذلك ؛ والظاهر أنهم لم يريدوا امتناع العمران فيه بالكلية إنما أداهم البرهان إلى أن فساد التكوين فيه قوى بإفراط الحر والعمران فيه إما ممتنع أو ممكن أقلى وهو كذلك ، فان خط الاستواء والذى وراءه وإن كان فيه عمران كما نقل فهو قليل جدا .وقد زعم ابن رشد أن خط الاستواء معتدل وأن ما وراءه في الجنوب بمثابة ما وراء في الشمال فيعمر منه ما عمر من هذا والذى قاله غير ممتنع من جهة فساد التكوين وإنما امتنع فيما وراء خط الاستواء في الجنوب من جهة أن العنصر المائي غمر وجه الأرض هنالك إلى الحد الذي كان مقابله من الجهة الشمالية قابلاً للتكوين ولما امتنع المعتدل لغيبة الماء تبعه ما سواه ،لأن العمران متدرج ويأخذ في التدريج من جهة الوجود لا من جهة الامتناع ، وأما القول بامتناعه في خط الاستواء فيرده النقل المتواتر ، والله أعلم .

ولنرسم بعد هذا الكلام صورة الجغرافيا كما رسمها صاحب كتاب " رو جار " ثم نأخذ في تفصيل الكلام عليها إلى آخره .







تفصيل الكلام على هذه الجغرافيا

اعلم أن الحكماء قسموا هذا المعمور كما تقدم ذكره على سبعة أقسام من الشمال إلى الجنوب يسمون كل قسم منها إقليماً فانقسم المعمور من الأرض كله على هذه السبعة الأقاليم كل واحد منها آخذ من الغرب إلى الشرق على طوله .فالأول منها مار من المغرب إلى المشرق مع خط الاستواء بحده من جهة الجنوب وليس وراءه هنالك إلا القفار والرمال وبعض عمارة إن صحت فهى كلا عمارة ويليه من جهة شماليه الإقليم الثانى ثم الثالث كذلك ثم الرابع والخامس والسادس والسابع وهو آخر العمران من جهة الشمال وليس وراء السابع إلا الخلاء والقفار إلى أن ينتهى إلى البحر المحيط كالحال فيما وراء الإقليم الأول في جهة الجنوب إلا أن الخلاء في جهة الشمال أقل بكثير من الخلاء الذي في جهة الجنوب ، ثم إن أزمنة الليل والنهار تتفاوت في هذه الأقاليم بسبب ميل الشمس عن دائرة معدل النهار وارتفاع القطب الشمالى عن آفاقها فيتفاوت قوس النهار والليل لذلك وينتهى طول الليل والنهار في آخر الإقليم الأول وذلك عند حلول الشمس برأس الجدي لليل وبرأس السرطان للنهار كل واحد منهما إلى ثلاث عشرة ساعة وكذلك في آخر الإقليم الثانى مما يلى الشمال فينتهى طول النهار فيه عند حلول الشمس برأس السرطان وهو منقلبها الصيفى إلى ثلاث عشرة ساعة ونصف ساعة ومثله أطول الليل عند منقلبها الشتوى برأس الجدى ويبقى للأقصر من الليل والنهار ما يبقى بعد الثلاث عشرة ونصف من جملة أربع وعشرين الساعات الزمانية لمجموع الليل والنهار وهى دورة الفلك الكاملة وكذلك في آخر الإقليم الثالث مما يلى الشمال أيضا ينتهيان إلى أربع عشرة ساعة وفى آخر الرابع إلى أربع عشرة ساعة



ونصف ساعة وفى آخر الخامس إلى خمس عشرة ساعة وفى آخر السادس إلى خمس عشرة ساعة ونصف وفى آخر السابع إلى ست عثرة ساعة وهنالك ينقطع العمران فيكون تفاوت هذه الأقاليم في الأطول من ليلها ونهارها بنصف ساعة لكل إقليم يتزايد من أوله في ناحية الجنوب إلى آخره في ناحية الشمال موزعة على أجزاء هذا البعد . وأما عرض البلدان في هذه الأقاليم فهو عبارة عن بعد ما بين سمت رأس البلد ودائرة معدل النهار الذي هو سمت رأس خط الاستواء وبمثله سواء ينخفض القطب الجنوبى عن أفق ذلك البلد ويرتفع القطب الشمالى عنه وهو ثلاثة أبعاد متساوية تسمى عرض البلد كما مر ذلك قبل . والمتكلمون على هذه الجغرافيا قسموا كل واحد من هذه الأقاليم السبعة في طوله من المغرب إلى المشرق بعشرة أجزاء متساوية ويذكرون ما اشتمل عليه كل جزء منها من البلدان والأمصار والجبال والأنهار والمسافات بينها نى المسالك ونحن الآن نوجز القول في ذلك ونذكر مشاهير البلدان والأنهار بى البحار في كل جزء منها ونحاذى بذلك ما وقع في كتاب " نزهة المشتاق " والذى ألفه العلوي الإدريسي الحموي لملك صقلية من الإفرنج وهو زخار بن زخار عندما كان نازلاًً عليه بصقلية بعد خروج صقلية من إمارة مالقة وكان تأليفه للكتاب في منتصف المائة السادسة وجمع له كتبا جمة للمسعودى وابن خرداذبه والحوقلى والقدرى وابن إسحاق المنجم وبطليموس وغيرهم ونبدأ منها بالإقليم الأول إلى آخرها ، والله سبحانه وتعالى يعصمنا بمنه وفضله .

الإقليم الأول : وفيه من جهة غربية الجزائر الخالدات التي منها بدأ بطليموس يأخذ أطوال البلاد وليست في بسيط الإقليم وإنما هى في البحر المحيط جزر متكثرة كبرها وأشهرها ثلاثة ويقال : إنها معمورة وقد بلغنا أن سفائن من الإفرنج مرت بها في أواسط هذه المائة وقاتلوهم فغنموا منهم وسبوا وباعوا بعض



أسراهم بسواحل المغرب الأقصى وصاروا إلى خدمة السلطان فلما تعلموا اللسان العربى أخبروا عن حال جزائرهم وأنهم يحتفرون الأرض للزراعة بالقرون وأن الحديد مفقود بأرضهم وعيشهم من الشعير وماشيتهم المعز وقتالهم بالحجارة يرمونها إلى خلف وعبادتهم السجود للشمس إذا طلعت ولا يعرفون دينا ولم تبلغهم دعوة ولا يوقف على مكان هذه الجزائر إلا بالعثور لا بالقصد إليها ، لأن سفر السفن في البحر إنما هو بالرياح ومعرفة جهات مهابها وإلى أين يوصل إذا مرت على الاستقامة من البلاد التي في ممر ذلك المهب . وإذا اختلف المهب وعلم حيث يوصل على الاستقامة حوذى به القلع محاذاة يحمل السفينة بها على قوانين في ذلك محصلة عند النواتية والملاحين الذين هم رؤساء السفن في البحر والبلاد التي في حافات البحر الرومي وفى عدوته مكتوبة كلها في صحيفة على شكل ما هى عليه في الوجود وفى وضعها في سواحل البحر على ترتيبها ومهاب الرياح وممراتها على اختلافها مرسوم معها في تلك الصحيفة ويسمونها " الكنباص " وعليها يعتمدون في أسفارهم ، وهذا كله مفقود في البحر المحيط فلذلك لا تلج فيه السفن ؛ لأنها إن غابت عن مرأى السواحل فقل أن تهتدى إلى الرجوع إليها مع ما ينعقد في جو هذا البحر وعلى سطح مائه من الأبخرة الممانعة للسفن في مسيرها وهى لبعدها لا تدركها أضواء الشمس المنعكسة من سطح الأرض فتحللها فلذلك عسر الاهتداء إليها وصعب الوقوف على خبرها .وأما الجزء الأول من هذا الإقليم ففيه مصب النيل الآتى من مبدئه عند جبل القمر كما ذكرناه ويسمى نيل السودان وبذهب إلى البحر المحيط فيصب فيه عند جزيرة أوليك وعلى هذا النيل مدينة سلا وتكرور وغانة وكلها لهذا العهد في مملكة ملك مالى من أمم السودان وإلى بلادهم تسافر تجار المغرب الأقصى وبالقرب منها من شماليها بلاد لمتونة وسائر طوائف الملثمين ومفاوز يجولون فيها وفى جنوبى هذا النيل قوم من السودان يقال لهم



لملم وهم كفار ويكتوون في وجوههم وأصداغهم وأهل غانة والتكرور يغيرون عليهم ويسبونهم ويبيعونهم للتجار فيجلبونهم إلى المغرب وكلهم عامة رقيقهم وليس وراءهم في الجنوب عمران يعتبر إلا أناسى أقرب إلى الحيوان العجم من الناطق يسكنون الفيافى والكهوف ويأكلون العشب والحبوب غير مهيأة وربما يكل بعضهم بعضا وليسوا في عداد البشر .وفواكه بلاد السودان كلها من قصور صحراء المغرب مثل توات وتكدرارين ووركلان فكان في غانة فيما يقال : ملك دولة لقوم من العلويين يعرفون ببنى صالح وقال صاحب كتاب "روجار" إنه صالح بن عبد الله بن حسن بن الحسن ولا يعرف صالح هذا في ولد عبد الله بن حسن وقد ذهبت هذه الدولة لهذا العهد وصارت غانة لسلطان "مالى" .وفى شرقى هذا البلد في الجزء الثالث من هذا الإقليم بلد "كوكو" على نهر ينبع من بعض الجبال هنالك ويمر مغربا فيغوص في رمال الجزء الثانى وكان ملك كوكو قائماً بنفسه ثم استولى عليها سلطان مالى وأصبحت في مملكته وخربت لهذا العهد من أجل فتنة وقعت هناك نذكرها عند ذكر دولة مالى في محلها من تاريخ البربر وفى جنوبى بلد كوكو بلاد كاتم من أمم السودان وبعدهم ونغارة على ضفة النيل من شماليه .وفى شرقى بلاد ونغارة وكاتم بلاد زغاوة وتاجرة المتصلة بأرض النوبة في الجزء الرابع من هذا الإقليم وفيه يمر نيل مصر ذاهبا من مبدإه عند خط الاستواء إلى البحر الرومى في الشمال ، ومخرج هذا ،النيل من جبل القمر الذي فوق خط الاستواء بست عشرة درجة واختلفوا في ضبط هذه اللفظة فضبطها بعضهم بفتح القاف والميم نسبة إلى قمر السماء لشدة بياضه وكثرة ضوءه وفى كتاب " المشترك "، الياقوت بضم القاف وسكون الميم نسبة إلى قوم من أهل الهند وكذا ضبطه ابن سعيد، فيخرج من هذا الجبل عشر عيون تجتمع كل خمسة منها في بجيرة وبينهما ستة أميال ويخرج من كل واحدة من البحيرتين ثلاثة أنهار تجتمع كلها في بطيحة



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تاريخ ابن خلدون
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات شعراء وفنانين العراق :: المنتدى العام :: قسم تاريخ وحضارات-
انتقل الى: